الخميس, 03 أبريل, 2025

غزة: ملحمة الدم والصمت العربي بقلم: عمر ضمرة




منذ عام 1948 وحتى اليوم، تظل فلسطين الجرح النازف في جسد الأمة، لم تعد مجرد أرض محتلة، بل شهادة حية على انهيار الضمير الإنساني وصمت العالم المخزي. لم تكن غزة يومًا مجرد شريط ساحلي محاصر، بل باتت مرآة تكشف تواطؤ المجتمع الدولي، وسجلاً دامغًا لخيانة بعض الأنظمة العربية التي فقدت بوصلتها الأخلاقية.

أسقطت غزة الأقنعة، وعرت زيف الشعارات الغربية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ يمضي العالم في تسليح الاحتلال ومده بالغطاء السياسي، مانعًا أي محاسبة على جرائمه الوحشية. تحولت القرارات الدولية إلى حبر على ورق، لأن من صاغها هو ذاته من يحول دون تنفيذها، ليؤكد أن شريعة الغاب لا تزال تحكم هذا العالم، لكن بربطات عنق أنيقة وابتسامات مخادعة.

ما يحدث في غزة ليس مجرد مأساة محلية، بل هو انعكاس لخذلان عربي ممنهج صنعته بعض الأنظمة التي رهنت إرادتها للأجندات الخارجية، فلم يقتصر دورها على الصمت، بل امتد إلى التطبيع والخيانة والمشاركة الفعلية في تمكين الاحتلال. لولا هذا التواطؤ لما استمر الاحتلال عقودًا، ولما تحولت فلسطين إلى قضية منسية في بعض العواصم العربية.

لقد رأينا كيف سلمت فلسطين، وكيف بيعت سوريا، وكيف مزق العراق واليمن، وكيف مهد الطريق أمام الاحتلال الصهيوني عبر قرارات أممية صاغتها ذات الأيادي التي تقتل الفلسطينيين اليوم. التخلي عن المقاومة لم يكن موقفًا سياسيًا، بل خيانة موصوفة، لأن من يدعو المقاومين للاستسلام، يطالب شعبًا بأسره بالرضوخ للذل والهوان.

أي منطق هذا الذي يحمل الضحية مسؤولية المجازر؟ أي حكمة تلك التي تطالب أصحاب الأرض بتسليم مفاتيح بيوتهم للغاصب والتصفيق له؟ هل من الرجولة أن يقف الإنسان متفرجًا على اغتصاب وطنه وكرامته؟ لا شريف يقبل بذلك، فمن مات دون أرضه وعرضه فهو شهيد، ومن تخاذل عن نصرته فقد خان الأمانة.

لو حاولنا تحليل هذا المنطق على سبيل الجدل، فهل كنا سنشهد الجزائر بلدًا محررًا، بعد 132 سنة من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي لها؟! هل كنا سنشهد الهند "درة التاج البريطاني" محررة من الاستعمار البريطاني القذر؟! هل كنا سنشهد فيتنام-خسرت ثلاثة ملايين مقاتل- بلدًا محررا من الاحتلال الأمريكي "رعاة البقر وشذاذا الآفاق"؟! مال لكم بأي منطق تحكمون؟! أليس فيكم رجل رشيد!!

المسؤول عن نكبة فلسطين المستمرة ليس الاحتلال وحده، بل الأنظمة التي تآمرت وخذلت، وظلت تدور في فلك القوى الكبرى، غافلة عن أن دورها سيحين بعد فلسطين، لأن مشروع الهيمنة لا يعترف بحدود. غزة اليوم هي خط الدفاع الأول عن شرف الأمة، ومن يتركها تسقط، يسقط آخر ما تبقى من كرامة عربية.

لطالما أدرك الرئيس الراحل جمال عبد الناصر هذه الحقيقة عندما حاول استنهاض الأمة، فحورب من الداخل قبل الخارج، واستغلت نكسة 1967 لتحطيم المشروع العربي برمته، تمامًا كما يستغل اليوم حصار غزة لضرب روح المقاومة في كل مكان. لقد حذر الشهيد ناجي العلي من أن تتحول الخيانة إلى "وجهة نظر"، وها نحن نعيش هذا الكابوس، حيث أصبح العميل محللًا استراتيجيًا، والمقاوم إرهابيًا في نظر العالم المنافق.

الصراع واضح، العدو الرئيسي هو الكيان الصهيوني، وأي تناقضات أخرى تبقى قضايا ثانوية. إيران، رغم الخلافات، ليست العدو ، بل البلد الجار الذي تربطنا به التاريخ والجغرافيا، وهي جزء من محور يدعم المقاومة، فيما إسرائيل تظل القاعدة العسكرية الأمريكية في المنطقة والمستفيد الأول من إضعاف أي مشروع تحرري عربي.

تناقضاتنا مع ايران ثانوية، فيما التناقض الرئيسي مع الغرب الصهيوني، وقاعدته العسكرية "اسرائيل". ألم تنشب حرب بين المغرب والجزائر بسبب الخلاف على دعم تحرر الصحراء الغربية؟ ألم تقم خلافات حدودية بين قطر والبحرين؟ ألم تتأزم العلاقات بين مصر والسودان بسبب منطقة "حلايب"؟ ثم، ألم تقتطع فرنسا منطقة خليج الاسكندرونة السوري وأهدته إلى تركيا. الآن تم بيع سوريا، "اسرائيل تحتل الجنوب"، وتركيا تحتل الشمال، وأمريكا تحتل الشرق، حيث منابع النفط والغاز.

اليوم، أمام المجازر التي ترتكب في غزة، يجب أن ندرك أن العدو لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل يختبر مدى خنوع الأمة بأسرها. من يصمت اليوم، سيجد نفسه غدًا في ذات المصير، بلا وطن وبلا كرامة. نصرة غزة ليست خيارًا، بل واجب أخلاقي ووجودي، لأنها آخر قلاع الشرف العربي.

لقد حان الوقت لنفهم أن المقاومة ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن من لا يدافع عن حقه، سيكون مصيره العبودية. العرب اليوم أمام لحظة تاريخية، إما أن يختاروا طريق العزة، أو يظلوا إلى الأبد مجرد بيادق في لعبة الكبار بلا قيمة وبلا تأثير.

إن ما يجري في غزة ليس مجرد حرب، بل هو اختبار لضمير الأمة، والسؤال الذي سيطرح علينا لاحقًا: أين كنتم حين كانت فلسطين تباد؟ والجواب سيحدد مصيرنا جميعًا. فإما أن نستيقظ، أو ننتظر دورنا في قائمة الضحايا، وحينها لن يكون هناك أحد ليرثي سقوطنا!




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة عمانيات الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق :
تحديث الرمز
أكتب الرمز :